أحمد الشرباصي
57
موسوعة اخلاق القرآن
إشارة إلى القهارية والعزة والعلو والصمدية ، ولا يزال العبد يبقى في هذا المقام مترددا في مقامات الجلال والتنزيه والتقديس ، إلى أن ينتقل منها إلى مقام الهوية الأحدية ، التي كلّت العبارات عن شرحها ، وتقاصرت الإشارات عن الانتهاء إليها ، وهناك الانتهاء إلى الواحد الحق ، ثم يقف لأنه ليس هناك نظير في الصفات ، حتى يحصل الانتقال من صفة إلى صفة ، ولا أن تكون الهوية مركبة حتى يتنقل نظر العقل من جزء إلى جزء ، ولا أنها مناسبة لشيء من الأحوال المدركة من النفس حتى تعرف على سبيل المقايسة ، فهي الظاهرة لأنها مبدأ ظهور كل ظاهر ، وهي الباطنة لأنها فوق عقول كل المخلوقات ، فسبحان من احتجب عن العقول بشدة ظهوره ، واختفى عنها بكمال نوره . وأما قوله تعالى : « وتبتل اليه تبتيلا » ففيه مسألتان : المسألة الأولى : اعلم أن جميع المفسرين فسروا التبتل بالاخلاص ، وأصل البتل في اللغة القطع ، وقيل لمريم : البتول ، لأنها انقطعت إلى اللّه تعالى في العبادة ، وصدقة بتلة : منقطعة من مال صاحبها . وقال الليث : التبتل تمييز الشيء عن الشيء . والبتول كل امرأة تنقبض عن الرجال ، لا رغبة لها فيهم . إذا عرفت هذا فاعلم أن للمفسرين عبارات : قال الفراء : يقال للعابد إذا ترك كل شيء ، وأقبل على العبادة : قد تبتل : أي انقطع عن كل شيء إلى أمر اللّه وطاعته . وقال زيد بن أسلم : التبتل رفض الدنيا مع كل ما فيها ، والتماس ما عند اللّه . واعلم أن معنى الآية فوق ما قاله هؤلاء الظاهريون ، لان قوله : « وتبتل » أي انقطع عن كل ما سواه فالمشغول بطلب الآخرة غير متبتل إلى